الأكثر قراءة

للاشتراك في خدمة :

21:10 Wednesday 28 August 2013

بن لادن والبلتاجى والجزيرة

تحوّل أسامة بن لادن فى مرحلة من حياته إلى نجم إعلامى، نجم بمفهوم أن وسائل الإعلام كانت تسعى لتجرى معه اللقاءات فى جبال أفغانستان، وأدرك بن لادن أهمية الإعلام وقتها، كان ذلك فى النصف الثانى من تسعينيات القرن الماضى. أيضاً أدرك قيمته الإعلامية، فأصبح هو من يحدد أى وسيلة إعلامية يلتقى، وأى صحفى يسمح له بشرف اللقاء. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل وضع شروطا لموضوعات الحوار والالتزام بالخط الذى يحدده. المسألة كانت مغرية صحفياً، وبالفعل تمكن قليل من الصحفيين من الذهاب إليه فى جبال أفغانستان عبر وسائله هو التى يحددها. وتقريبا التزموا بما اتفقوا عليه وقتها رغم التفاخر بالبطولات بأثر رجعى بعدها من قبل بعض من التقوه. لم يكن شهر العسل بين الأمريكان وصنيعتهم القاعدة قد انتهى وقتها بعد، ولم يكن الإدراك الغربى قد اكتمل فى فهم حجم الخطر الذى كان يمكن لهذا الفكر المتطرف أن يساهم فى إطلاقه إلى العالم ويصل إليه من تدمير لمفهوم الأمان والسلم فى المجتمع الإنسانى، وأنه قد يطولهم مهما اقتنعوا بأنهم فى قلاع حصينة. وهذا ما حدث بالفعل، وجاءت هجمات سبتمبر لتوقظ الغافلين بشدة وعنف لما فعلت أيديهم، كانت تلك الهجمات نتاجا طبيعيا لإخراج الإرهاب الأسود من مكمنه وإعطائه آفاقا جديدة وأبعادا إقليمية وعالمية بحماية وغض طرف أمريكى وغربى، وكان الثمن باهظا.

هجمات سبتمبر كانت البداية، حيث تلتها العمليات الإرهابية المتعددة، ولعل أبرزها تفجيرات مدريد وتفجيرات لندن، كان ذلك بمثابة لطمة قوية على وجه أولئك الذين يعتقدون أنهم قادرون على اللعب بالنار دون أن تصيبهم، لم يدركوا أنهم سوف يدركهم الإرهاب الذى دعموه ولو كانوا فى حصون مشيدة.

كان النقاش الرئيسى بينى وبين كل من التقيت من أهل الغرب سياسيين أو إعلاميين أو حتى شخصيات عادية يدور حول الخطأ الكبير الذى يقعون فيه فى تقديرهم بأن تمكين الإسلام السياسى سوف يؤدى إلى تخفيف الضغط عليهم، وأن أفضل الحلول لهم فى الغرب أن يشغل الإسلاميون بالصراع على السلطة فى بلادهم. كنت دائماً أحذرهم من أنه على الرغم من أننى أتمنى ألا تتكرر أحداث سبتمبر أو مدريد أو لندن مرة أخرى إلا أننى أستطيع أن أجزم بأن مثل هذه الأحداث مرشحة للتكرار، حيث إن ما يحدث هو توفير سماء آمنة للتنظيمات الإرهابية من مختلف أرجاء العالم، تستطيع أن يلتئم شملها فى ظلها لتنطلق لتنفيذ رؤيتها التى هى بالتأكيد تتناقض مع الحضارة الإنسانية. الشخصيات العادية وأصحاب المنطق كانوا يستقبلون هذا الطرح بالاهتمام والقلق وإعادة التفكير، لكن كانت هناك قلة من السياسيين الذين كانوا يرون أمورا أخرى من زاويتهم تجعلهم يرفضون المنطق الذى كنت أطرحه.

المهم وعودة إلى أسامة بن لادن، فقد قرر أن يختار بنفسه الوسيلة الإعلامية التى يظهر من خلالها وتتبنى رسائله، وبالطبع جميعنا يعلم أنه اختار قناة الجزيرة وحدها لتكون قناته ولسان حاله وحاملة رسائله إلى العالم، وبدا وقتها اختيارا غريبا، لكن الأيام والأحداث التالية فسرت أنه اختيار طبيعى جداً يتوافق مع الغرض من صناعة بن لادن والغرض من صناعة الجزيرة والغرض من تحريكهم من عناصر أخرى متعددة لتحقيق أهداف بالتأكيد ليست عربية أو وطنية، لكنها أهداف ومصالح عابرة للدول والأوطان وحتى لشيوخ بلدهم الذين لا يملكون من أمرهم شيئاً، كما يبدو ويتأكد يوما بعد يوم، وحتى الآن.

قُتل بن لادن بعد أن قُتل قبله عديد من قيادات القاعدة التى صنعتها أمريكا، ودارت حوارات وشكوك حول دور الجزيرة فى قنص وقتل بعض هذه القيادات، وادعت أمريكا إصرارها على محاربة الإرهاب، ولكن فى الوقت نفسه قامت بدعم جماعات الإسلام السياسى بناء على الحسابات الخاطئة التى أشرت إليها، فما يحكمهم هناك هو ما يعتقدونه يحقق مصلحتهم من منطلق المصلحة الوطنية والأمن القومى لهم.

عندما رأيت البلتاجى، القيادى الإخوانى الهارب من العدالة، على شاشة الجزيرة وخلفه ستارة فقيرة المظهر، ويبدو أن التصوير كان بكاميرا فقيرة الإمكانيات أيضاً، تذكرت شرائط بن لادن خاصة أنه اختار، أو اختير له، أن تكون رسالته عبر الجزيرة، وقال ما سمعناه من غث القول، وتأكدنا أن مرض الإنكار مازال ينخر فى عقولهم، واطمأن من كان لديه شك فى أن قرار المصريين بالثورة على هذه الجماعة والإطاحة بها كان هو الخيار الصحيح. ولكنى أتوقف أيضاً عند ذلك المشهد الذى يتكرر بشكل مختلف نسبيا، ولكن ما يجمع بين المشهدين: بن لادن والبلتاجى والجزيرة، هو أن الصانع يبدو واحداً، الأجهزة التى صنعت بن لادن هى ذاتها التى دفعت البلتاجى إلى نفس المساحة، وصانع الاثنين ليس بعيداً عن صناعة الجزيرة، بل قد يكون موجوداً داخلها أكثر مما يعتقد من يعملون فيها ويظنون خطأً أنهم يفهمون.